صديق الحسيني القنوجي البخاري
70
فتح البيان في مقاصد القرآن
وبالجملة فالتخفيف بأبلغ شيء أولى في هذا الباب ، قيل حكم الآية مشروع على الترتيب وقيل هذا الترتيب مراعى عند خوف النشوز ، وأما عند تحقق النشوز فلا بأس بالجمع بين الكل والأول أولى ، وعن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم : « لا يسأل الرجل فيم ضرب امرأته » « 1 » أخرجه أبو داود . [ سورة النساء ( 4 ) : آية 35 ] وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً خَبِيراً ( 35 ) وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما قد تقدم معنى الشقاق في البقرة وأصله أن كل واحد منهما يأخذ شقا غير شق صاحبه أي ناحية غير ناحيته ، وأضيف الشقاق إلى الظرف لإجرائه مجرى المفعول به كقوله تعالى : بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ [ سبأ : 33 ] وقولهم يا سارق الليلة أهل الدار ، والضمير في بينهما للزوجين لأنه قد تقدم ذكر ما يدل عليهما وهو ذكر الرجال والنساء . فَابْعَثُوا إلى الزوجين برضاهما ، قيل المخاطب بذلك الإمام أو نائبه لأن تنفيذ الأحكام الشرعية إليه . وقيل كل أحد من صالحي الأمة وقيل هو خطاب للزوجين حَكَماً رجلا عدلا مِنْ أَهْلِهِ أقاربه وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها أي من يصلح للحكم بينهما ، من يصلح لذلك عقلا ودينا وانصافا ، وإنما نص اللّه سبحانه على أن الحكمين يكونان من أهل الزوجين لأنهما أقدر بمعرفة أحوالهما ، فإذا لم يوجد الحكمان منهم كانا من غيرهم . وهذا إذا أشكل أمرهما ، ولم يتبين من هو المسئ منهما فأما إذا عرف المسئ فإنه يؤخذ لصاحبه الحق منه ، والبعث واجب وكون الحكمين من أهلهما مندوب . إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً أي الحكمان وقيل الزوجان والأول أولى ، أي على الحكمين أن يسعيا في إصلاح ذات البين جهدهما ، فإن قدرا على ذلك عملا عليه ، وإن أعياهما إصلاح حالهما ورأيا التفريق بينهما جاز لهما ذلك من دون أمر من الحاكم في البلد ولا توكيل بالفرقة من الزوجين ، وبه قال مالك والأوزاعي وإسحاق ، وهو مروى عن عثمان وعلي وابن عباس والشعبي والنخعي والشافعي ، وحكاه ابن كثير عن الجمهور قالوا لأن اللّه تعالى قال : فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها وهذا نص من اللّه سبحانه أنهما قاضيان لا وكيلان ولا شاهدان . وقال الكوفيون وعطاء وابن زيد والحكم وهو أحد قولي الشافعي : إن التفريق هو إلى الإمام أو الحاكم في البلد لا إليهما ما لم يوكلهما الزوجان ، أو يأمرهما الإمام
--> ( 1 ) أخرجه أبو داود في النكاح باب 42 ، وابن ماجة في النكاح باب 51 .